
يقول نديم في قصيدته التي يصف فيها إسطنبول:
«إن مدينة إسطنبول هذه لا مثيل لها ولا يُقدَّر لها ثمن،
يُفدى حجرٌ واحد منها بمُلك العجم كله.
جوهرةٌ فريدة بين بحرين،
جديرةٌ بأن تُوزن بالشمس التي تنير العالم.»
هكذا يقول...
وفي إسطنبول هذه التي فدى نديمُ عن حقٍّ «حجرًا واحدًا منها بمُلك العجم كله»، والتي طبع عليها خاتمه، لنا معمارٌ هو أيضًا «جديرٌ بأن يوزن بالشمس التي تنير العالم» ، أي يمكن أن يقارن بالشمس التي تضيء الدنيا؛ إنه معمارنا الذي وصفه زمانه بهذه الألقاب: عين أعيان المهندسين، زين أركان المؤسسين، المعمار السلطاني، المعلّم الخاقاني، أستاذ أساتذة الزمان، رئيس جهابذة الدوران، إقليدس العصر والأوان، مهندس الدوران، پسنديدهٔ جهان (مرضيّ العالم)، المعمار الذي لا أقران له، سر معماران (رئيس المعماريين)، قوجه معمار (المعمار الكبير)، سنان بن عبد المنان..(1)
العظماء يخرجون من المجتمعات العظيمة. فقمة إيفرست إنما هي «قمة إيفرست» لأنها فوق جبال الهيمالايا... لا في «حفرة الغور» ! إن القرن السادس عشر عصرٌ تأسست فيه كلاسيكية الحضارة العثمانية، بما بلغه من قمم في كل فروع العلم والأدب والفن. وبفضل ما كانت عليه الثقافة القائمة من ثراء ومستوى رفيع، كان كل شيء في المجتمع مهيّأً لموهبة عظيمة. ومعمار سنان، في عصرٍ بلغت فيه الحضارة العثمانية ذروتها، هو انبثاقٌ وانفجارٌ للثقافة القائمة في ميدان العمارة.
إن الوعي الجماعي المصفّى عبر القرون وبنية المجتمع المستقرة قد جعلا كلَّ عنصر في الثقافة القائمة جزءًا من «كُلٍّ» يستجيب بعضه لبعض، وانعكست قوة الدولة وبنيتها السليمة على العمارة، فكانت العمارةُ مركزَ هذا الوعي التركيبي. وقد جرّب قوجه سنان، الذي جعل بمبانيه الـ316 «القسطنطينيةَ إسطنبولَ» ، كلَّ الاحتمالات المعمارية بدقة ومهارة وذوق وإحساس وجمالية عظيمة، وذلك في عصر ذروة دولةٍ قادرة على أن توفر له الإمكانات التي يحتاجها في مجال عمله، بعد أن أعاد مرة أخرى تمحيص ما كان في عصره من مواد وإمكانات تقنية محدودة طال صقلها.
من الواضح أن قوجه سنان كان عبقريًا في العمارة. لكن من الجليّ أيضًا أن أسمى المواهب لا تستطيع أن تُنتج الأعمال من تلقاء نفسها، وأن إنتاج الأعمال الرفيعة يقوم على تعليم جيد ومتين، إلى جانب الخبرة والإمكانات. ويُلاحَظ أنه في القرن السادس عشر ، ومع أوجاق معماريي الخاصة ، أُدرجت جميع فروع الفن تقريبًا، وفي مقدمتها العمارة، ضمن تنظيمات محددة، وأن التطورات المسجلة كانت تُطبَّق دفعة واحدة في كل أنحاء الدولة العثمانية. ويغدو من الأيسر تفسير عهد سنان في العمارة العثمانية في إطار هذه المؤسسة الكبيرة وهذا التنظيم والنظام المركزي. الزمن هو القرن السادس عشر.. لم تكن آلة التصوير ولا الكاميرا ولا الشرائح قد اكتُشفت، ولا كانت طرق المنظور المختلفة قد وُضعت بعد. لكن خيال المعمار الكبير وذاكرته المذهلين، بعد أن حفظا كل ما رآه وهضماه في بوتقة موهبته، أخرجا ذلك عملًا جديدًا ذا تركيب جديد وهوية مختلفة تمامًا... وطوال حياته حتى سن الخمسين، درس بعناية الآثار في الأماكن التي جال فيها ورآها خلال الحملات العسكرية، ومرّر معرفته ورؤيته الجمالية في مِصفاة التنقية والتهذيب، فبلغ وعيًا تركيبيًا بفضل قدرته الإبداعية الفائقة الكامنة أصلًا في فطرته. وبحسب الرواية الشائعة، فقد قدّم أول أعماله في هذه السن.
يمكن أن يُلاحَظ فورًا في الأعمال المنجزة حتى عصر معمار سنان ميلٌ يقترب من أسلوبه. فمن خلال تنقية التجارب في عمارة العهد السلجوقي وعهد الإمارات و العهد العثماني المبكر ، تأسست وحدة معمارية معينة، وإن لم تكتمل تمامًا العلاقة الضرورية الواجب قيامها بين كلية العمارة وتفاصيلها ، وشُيّدت مبانٍ أثرية ذات مخطط مركزي مثل جامع أوج شرفلي في أدرنة وجامع بايزيد . ولو رُتّبت المباني المهمة في العمارة التركية الإسلامية، التي تشكّل سلسلة في إطار علاقة الأسطى بالصبي، ترتيبًا زمنيًا، لظهر بوضوح أن هذا التطور لم يحدث فجأة بتأثير خارجي ما مثل آيا صوفيا ، بل سار في مجراه التاريخي الخاص سيرًا طبيعيًا نحو الكمال. ونتيجةً لقوة الروح المشتركة والتقاليد المصفّاة عبر الزمن، تُنقّى كل هذه التأثيرات والتجارب مرة أخرى على يد سنان، فيبدأ العمل المعماري يتخذ شكلًا يمكن تأمّله كُلًّا تشكيليًا حتى أدق تفاصيله. إن الجمالية المعمارية والوحدة التشكيلية وفكرة المخطط المركزي التي سعى سنان إلى بلوغها في جميع مبانيه، وهو النقطة الأخيرة في تطور العمارة التركية الإسلامية ضمن مسارها التاريخي من حيث الأسلوب المعماري ووحدة الفضاء، قد وجدت أكمل تعبير لها في جامع السليمية في أدرنة .
وأصبح سنان، وهو فنان نشأ في أنسب زمان ومكان وعمل في ظروف مواتية للغاية، على رأس منظمة بناء كبيرة، بوصفه منظِّمًا فذًّا بارعًا و معلّمًا قديرًا ، «سر معمار» (رئيس المعماريين) في «أوجاق معماريي الخاصة» . وكانت كل قدرة الإعمار، بترتيب «المعمار والأسطى والقلفة و الصبي» ، تحت إمرته. ولا شك أنه لا يمكن القول، في إطار تنظيم كهذا، إن جميع الأعمال الكبيرة والصغيرة التي تقارب الخمسمائة والتي شُيّدت في كل أنحاء البلاد كانت كلها تحت رقابة سنان. فقد صُممت هذه الأعمال في إسطنبول وأُرسلت إلى مواقعها، أو نفّذها المعماريون والأسطوات الموجودون هناك. وتؤيد هذه الفكرةَ العناصرُ المحلية التي تُرى في بعض مباني الأقاليم، وما في مقاييسها من خلل في التناسب والانسجام. وعلى امتداد أكثر من خمسين عامًا من الزمن ومحور النشاط، اضطر من أرادوا تقديم شيء جديد خارج ما أُنجز حتى ذلك اليوم إلى التخلي عن جزء من البنية التي غدت كلاسيكية. وهكذا استمر هذا الأسلوب المعماري، بتغييرات طفيفة، حتى زمن إنكار الذات الذي بدأ مع عهد اللاله (عهد الخزامى)، ثم استمر حتى يومنا هذا بهيكله نفسه وإن أُلبس أثوابًا أخرى.
وفي إطار هذه السلسلة الكبيرة من الصلات، يستحيل تناول أي بناء من ذلك العصر بمعزل عن سنان، حتى لو كان من عمل غيره. وإزاء كل ذلك، يمكن الحديث، من جهة عن «الإنسان»، ومن جهة أخرى عن «الإمكانات والتأثيرات»، في عهد سنان.(2)
في الأعمال التي أشرف المعمار الكبير بنفسه على بنائها، تُرى، فضلًا عن الهيكل الإنشائي والبناء المتقن للمبنى، نسبٌ جميلة وحلول عقلانية حتى في العناصر والتفاصيل المعمارية الصغيرة، إلى حد يمكن معه إدراك القدرة الفنية والفكر السليم لمعمارها حتى من دون دراسة المبنى دراسة متعمقة. (انظر الصور 1، 2، 3، 4).
إن أساسات جامع السليمانية عبارة عن نظام شبكي يمكن السير فيه بسهولة . ومن خلال الممرات الموجودة في الأساسات يمكن الوصول إلى الخزانات التي توزع المياه على جميع ملحقات السليمانية، كما فُتحت فوق هذه الممرات، في الأجزاء الوسطى من أرضية الجامع، فتحاتُ تهوية ذات أغطية خشبية، فتحقق بذلك نوع من «التكييف». ومن المؤسف أن بعضها أُلغي في أيامنا هذه، وغُطي الموجود منها بأغطية حجرية. وتيار الهواء الذي يتولد عند فتح الغطاء مدهش. وفي المنسوب السفلي للجزء الحجري من الأساسات، تدور طبقة من «الخُراسان» بسماكة 70-80 سم، مدعّمة بشبكات خشبية، بوصفها جسرًا رابطًا حول جميع أنظمة الأساسات. وبهذا الشكل من الأساسات تحققت أيضًا مقاومة المبنى للزلازل. (انظر الصورتين 5، 6).
نرى أن أعمال سنان المختلفة في مجال هندسة المياه لا تقل أهمية عن المباني والجوامع التي شيّدها. فسنان الذي قدّم أعمالًا في جميع أنواع البناء، من الجامع إلى الجسر ومن قناة المياه إلى السد، كانت بعض حلوله في هندسة المياه استثنائية حتى بمقاييس الهندسة في عصرنا الذي اكتملت فيه المعارف والأدوات التقنية وتيسّرت فيه المواد. ففي كل عمل وضع يده عليه، لم يكتف ببلوغ أكمل ما هو معروف، بل أبدع أعماله باختراع المجهول بمهارة. لقد استقرّ كل شيء عند معمار سنان في موضعه وتلاءم إلى حدٍّ لا تُفسد فيه الهندسةُ العمارةَ، ولا تُهمَل فيه الهندسةُ من أجل تحقيق العمارة.(3)
وفي اختيار المواد واستخدامها، وعلى نحو تعريف غوته: «العمارة موسيقى متجمدة» ، هناك تكرار للعنصر المعماري وانسجام بين عناصره، تمامًا كالأصول والمقامات في الموسيقى. وهذه النسب والتناغمات هي التي تحقق، بحسب تعريف الفيلسوف الصيني تاو تي القائل «إن المقصود من العمارة هو الفراغ الذي داخل جدران المبنى» ، الفضاءَ المعماري وما يمنحه الفضاء للإنسان من جوٍّ وإحساس وتوازن روحي. كل عمل من أعماله نُصُبٌ للنسبة والتناسب..، وكل فضاء وحجم عنده منظومةٌ من التوازنات..، فريدٌ في مهنته، ظاهرٌ في براعته...، كل خطٍّ من خطوطه أليفٌ للروح، وكل بناء من أبنيته استثنائي...
بحسب ما ورد في تذكرة البنيان(4) التي كتبها ساعي چلبي على لسان سنان، فإن السلطان سليمان القانوني لما عزم على جلب الماء إلى إسطنبول، سأل كيف جُلبت مياه قرق چشمه من قبل، فلما رُويت له الحكاية «على قول أصحاب التواريخ »(5) ، قال: «لكل فن أستاذ، ولكل بيستون(6) فرهاده. وهذا الأمر تلزم فيه مشاورة المعمار. فالذي يلزمه هو الجانب العملي لا العلمي» ، ثم أسند «أحوال طرق المياه» «إلى سنان آغا» . لقد كان معمار سنان في خدمة سلطان فنان هو أيضًا، يستطيع أن يقارب المسألة بهذه الطريقة العملية وأن يترك التقدير للفنان دون تدخل.
«إن معرفة قدر أهل الهنر (البراعة) هي أيضًا هنر»
وكما في كل عصر، فإلى جانب القيل والقال الذي أثاره الحسد والغيرة بالزعم أن مياه قرق چشمه لا يمكن جمعها، وقولهم: «من الواضح أنه ليس كل مجرى دليلًا على الماء، ولا في كل روضة عينٌ سلسبيل» ، كان هناك أيضًا من يقدّرونه ويُثنون عليه، كما قال «أمين البناء» لمياه قرق چشمه للسلطان: «إن عبدكم المعمار آغا ماهرٌ في فن العجائب، أستاذٌ كامل، يعرف الماء الخفيّ تحت الأرض كما يعرفه على وجهها» . وكان سنان مدركًا للإمكانات التي يعيش في ظلها، فقال:
«إنني في فني أستاذٌ قدير،
وفي خدمة كسرى أنا فرهاد» ،
«عملتُ بفضل الحق أيامًا كثيرة،
فتيسّر إتمامه بالخير»
وبهذا الفهم، وبتسليم عظيم، عمل،
«الشكر والمنّة لله المنّان،
الذي جعل عبده مظهرًا للإحسان»
وبإحساسه بهذه الطمأنينة، صار باني العمارة المعجزة للعصر العثماني الكلاسيكي.
لقد قعّد قوجه سنان العناصرَ المعمارية والإنشائية في العمارة العثمانية الكلاسيكية تقعيدًا قاطعًا، أو «صاغها في معادلات» بالتعبير التقني. فإذا أخذنا في الاعتبار البحورَ الواسعة التي اجتيزت بمواد البناء الحجرية وارتفاعاتِ المباني، استحال التسليم بأن مقاطع بهذه الرقة قد تحققت بالتجربة والخطأ أو بالخبرة وحدها. ففي عصر لم تكن فيه المعادلات الإنشائية وحسابات القباب والإطارات معروفة بعد، كان لا بد من «وحدة» عقلانية تلائم مواد البناء الحجرية. وهذه الوحدة، التي تحقق مع التناسب والانسجام في العمارة التوازنَ الإنشائي والمتانة، على غرار تحديد مقاطع الأعمدة الخرسانية المسلحة في أيامنا، والتي تشكّل سلوك المبنى أثناء الزلزال، والمعروفة بتعبير زمانها بـ«الواحد المعماري» ، هي عرض تيجان الأعمدة. وتُقسم هذه الوحدة المعمارية إلى 9 أجزاء متساوية، ثم يُقسم كل جزء منها مرة أخرى إلى أربعة. كما تُقسم الوحدة المعمارية إلى قسمين، أحدهما كبير والآخر صغير، فتُختار قيمتان حدّيتان. والنسبة الناتجة عن قسمة الوحدة المعمارية إلى قسمين هي 6/9 و5.5/9، وهاتان النسبتان قريبتان جدًا من «النسبة الذهبية» (7) . وارتفاعات الأعمدة، وبحور العقود، ومناسيب الأفاريز وسماكاتها، ومحيط القبة وغيرها، كلها تُرتّب مع مراعاة هذا المقياس. فمثلًا يكون قطر الجزء السفلي من العمود 6/9 من الوحدة المعمارية، وقطر الجزء العلوي 5.5/9 منها. وتُستخرج ارتفاعات الأعمدة بضرب 6/9 من الوحدة المعمارية المحددة بحسب المبنى المصمم في مضاعفات نصف القطر السفلي لكل عمود، التي تتراوح من 10 إلى 18، أو بإجراء العملية العكسية، أي بتحديد ارتفاع العمود انطلاقًا من ارتفاع المبنى، ثم تحديد الوحدة المعمارية.
والمعادلة هي كالتالي:
hالعمود= [(6/9) (الوحدة المعمارية)] [(k=10...18) (rالعمود)]
وفي المباني الصغيرة ذات الأسقف الخفيفة كالأكشاك والأسبلة، يمكن أن تُضرب 6/9 من الوحدة المعمارية في ما يصل إلى 26 نصف قطر لتحديد ارتفاعات الأعمدة، غير أن هذا العدد لا يجوز أن يقل عن 12 نصف قطر. ويُجعل ارتفاع التيجان مساويًا للقطر، بما في ذلك طوق العمود. أما ارتفاع قاعدة العمود فمتغير، ولا يجوز أن يزيد على 3/9 من الوحدة المعمارية ولا أن يقل عن 1/9 منها. وأما بحور العقود فتُحسب على أساس نصف ارتفاع تاج العمود.
دُرست العناصر المعمارية العثمانية في ثلاثة أقسام منفصلة، تختلف نسب كل منها وزخارفه، وتسمى: «المعماري المخروطي، والمعماري المستوي والمعماري المجوهر» . ففي «المعماري المخروطي» الذي كان يُستخدم في الغالب في الطبقات السفلى من الجوامع أو في المباني التي يُراد لها البساطة، جُعل ارتفاع الأعمدة، بما في ذلك التيجان، 6 وحدات معمارية. أما «طرز المعماري المستوي» الذي هو من ترتيب سنان بالكامل، فقد استُخدم في البروزات الخارجية للمباني وفي الأماكن الواقعة تحت الأرض، ولم يُفسح فيه مجال لأي زخرفة. وجُعلت ارتفاعات الأعمدة فيه 10 وحدات معمارية بما في ذلك القواعد والتيجان، ولم تُستخدم هذه النسب قط في المباني الصغيرة. أما «المعماري المجوهر» الذي نضج على يد المعمار خير الدين واتخذ شكله الأخير عند سنان، فقد صار أكمل طُرز العمارة العثمانية. وهذا الطرز المعماري، الذي كان يُستخدم مع كل أنواع الزخارف وفي مقدمتها المقرنصات في المواضع التي يُراد أن يبدو فيها المبنى مهيبًا ولطيفًا، كان يُستخدم في المباني الصغيرة الحجم في داخلها فقط. وكان موضع هذه العناصر المعمارية في المبنى وطريقة استخدامها خاضعين لقواعد معينة. فمثلًا كان «المعماري المستوي» يأتي فوق «المعماري المجوهر».(8) وهكذا تحققت الوحدة المعمارية حتى أدق التفاصيل.
إن العالِم يبلغ الكمال بقدر ما يقترب من الفن، والفنان يبلغه بقدر ما يقترب من العلم. لأن الطبيعة نفسها هي «مصنوعات إلهية»، أي فنٌّ إلهي.
مدحُ النقش راجعٌ إلى النقّاش،
وذمُّ النقش راجعٌ إلى النقّاش.(9)
وبهذه النشوة، تكون الطبيعة والفن كعاشقين مفتونين أحدهما بالآخر. ليست العمارة فن البناء فحسب، بل هي في الوقت نفسه فن تأليف وتركيب أيضًا. ومعظم المقاييس التي استخدمها معمار سنان تتوافق مع «النسبة الذهبية» المأخوذة من الطبيعة.
وفي عمارة المعمار الكبير التي بلغت النضج في جامع السليمانية، هناك زاوية طبيعية مقدارها 52° تعبّر عن السكينة والنبل(10)، وصورة ظلية بسيطة ومتناغمة. وقد نجح في أن يعطي القبة المركزية وما حولها شكلًا متناسبًا إلى حدٍّ يجعل المبنى يرتفع تدريجيًا من الأرض حتى ينغلق أخيرًا في ذلك «الواحد» العظيم. وعلاقة القبة المركزية بأنصاف القباب والقباب الأخرى سلسلةٌ منتقاة ذات جمال لا حدود له، تستمر على هيئة «الوصول من التفاصيل إلى واحدٍ عظيم والتمركز فيه، ثم العودة والرجوع من الواحد إلى التفاصيل»، بوصفها نموذجًا رائعًا لسرّ «الكثرة في الوحدة، والوحدة في الكثرة» في التصوف.
إن معمار سنان فنانٌ تبنّى جميع القيم والأحكام في العالم التركي الإسلامي وهضمها وعبّر عنها في فنه. وعندما رأينا جامع السليمية في أدرنة أول مرة، أثار تفكيرنا كثيرًا أن يكون محفل المؤذنين في وسط الجامع تمامًا، وفي مسقط قمة القبة. ذلك أن محفل المؤذنين كان في جميع الجوامع المشيدة حتى عهد سنان عنصرًا معماريًا يُترك دائمًا في الزوايا والأطراف. وقد شغل أذهاننا أن يُنشئ فنانٌ مثل سنان، في أنضج مراحله، في هذا البناء الأكثر طموحًا لفكرة المخطط المركزي التي بلغها على أكمل وجه بالسليمية، نقطةَ تركيز تُخلّ بالأثر المتولد داخل الفضاء. بل إننا لم نستطع أن نجد معنى للسلّم الغريب الذي يبرز خارج مخطط المحفل القريب من المربع ويقع في الزاوية على هيئة نصف دائرة. فالسلّم الخارج من داخل نصف العمود ذي المقرنصات كان يمكن ألا يُبنى على هذا النحو، أما بروزه عن المخطط المربع فكان أمرًا لا ضرورة له على الإطلاق. لكن النتيجة التي توصلنا إليها بعد دراسة قصيرة كانت مدهشة.
لقد عبّر قوجه سنان في جامع السليمية، تحفته الفنية، بإنشائه محفل المؤذنين في مركز القبة ومسقطها تمامًا، عن أن الجامع بكليته يرمز إلى العرش والكون، وأن محفل المؤذنين يرمز، مع «البيت المعمور» الواقع في مسقط العرش، إلى الكعبة التي أذّن سيدنا بلال الحبشي على سطحها أول أذان. أما نصف الدائرة البارز خارج المخطط المربع فيمثّل الجزء الذي على «هيئة نصف دائرة» الملاصق للكعبة والمسمى «الحطيم» (الصورة 7).
ولكي يتسنى التحقق مما إذا كان المعمار سنان قد شيّد الجامع ومحفل المؤذنين حقًا بهذه الفكرة، لا بد من الرجوع إلى مصادر الدين الإسلامي والفكر الصوفي اللذين تشكّل سنان في كنفهما.
ففي القرآن الكريم(11): ﴿وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (سورة الحاقة، 69/17)، وفي حديث شريف: «هم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيّدهم الله بأربعة آخرين فكانوا ثمانية» ، أما في معرفت نامه(12) فيقال: «حملة العرش، أي الملائكة الذين يحملون العرش الأعظم، أربعة. وفي القيامة يُخلق أربعة ملائكة عظام آخرون، فيصير حملة العرش ثمانية» . وفي السليمية أيضًا، من الدعائم الثماني التي تحمل القبة المركزية الرامزة إلى العرش، أربعٌ قائمة بذاتها، والأربع الأخرى الواقعة على محور القبلة ملتصقة بجدران الجامع. ومن الخارج أيضًا، عُبّر بوضوح عن هذه الأعمدة الثمانية الحاملة للقبة عند أطراف القبة. (انظر الصورة 8).
إن الكعبة التي تذكّر «الإنسان» (13) ، الذي ينبغي أن يكون له «أُنسٌ» بالحق، بغاية خلقه وسرّه، وتوحي إليه ألا يغترب عن وطنه الأصلي، هي رمزُ هدايةٍ إلهية. وكما أن «الناي» يشكو الفراق لأنه انتُزع من منبت القصب، وكما أن أصل الإنسان ليس من هذه الدنيا، فكذلك الكعبة بناءٌ مقدس مُفعَم بالمعاني الباطنة للتوحيد والقدرة، وعلامةٌ على العالم الآخر.
ويُروى تاريخ الكعبة في معرفت نامه(14) بهذه السطور: «كان البيت المعمور في جنة الفردوس «قبةً عالية» من الياقوت الأحمر. فلما أهبط الحق تعالى سيدنا آدم عليه السلام من الجنة إلى الأرض وقبل توبته، أنزل البيت المعمور من الجنة إلى هذه الدنيا، إلى موضع الكعبة، إكرامًا له، ليكون له تذكارًا من الجنة يطوف به ويزوره. وكان له بابان، أحدهما يُفتح إلى الشرق والآخر إلى الغرب. وكان في داخل البيت المعمور ثلاثة قناديل من نور. والموضع الذي كانت هذه القناديل تضيئه آنذاك هو الآن «حرم الكعبة». وبأمر الحق تعالى كانت الملائكة في السماوات السبع تنزل بالتناوب، فيطوفون بالبيت المعمور مع آدم عليه السلام. وكان البيت المعمور في الأرض من عهد سيدنا آدم عليه السلام إلى عهد سيدنا نوح عليه السلام. ثم رُفع إلى السماء قبل الطوفان. ولعله يبقى هناك إلى يوم القيامة، ثم يُرفع إلى مكانه في الجنة.
وفي موضع البيت المعمور على الأرض، بنى سيدنا إبراهيم عليه السلام البيت الشريف بأمر الحق تعالى. ولو سقط البيت المعمور من السماء لسقط على الكعبة المعظمة تمامًا. وما بين البيت الشريف (الكعبة) في الأرض والبيت المعمور في السماء هو الحرم الشريف. والحجر الأسعد الموجود الآن في جدار الكعبة والذي يُقبَّل، بقي تذكارًا من البيت المعمور. وقد كان الحجر الأسعد (الحجر المبارك) ياقوتًا أحمر، فصار في الطوفان، بأمر الحق تعالى، الحجرَ الأسود.» وفي حديث أيضًا: «إن الكعبة بحذاء المسجد الذي تحت العرش (البيت المعمور) إلى حدٍّ لو أُلقي منه حجر لسقط على سطح الكعبة»(15) . وفي السليمية بأدرنة أيضًا، يقع محفل المؤذنين في المسقط الدقيق لمفتاح القبة المركزية.
والكعبة التي بناها سيدنا إبراهيم في موضع البيت المعمور، تعرّضت في الجاهلية، حين كان النبي صلى الله عليه وسلم في الخامسة والثلاثين من عمره، لحريق بسبب اشتعال كسوتها(16)، ثم لسيل، فتهدمت جدرانها وأُعيد بناؤها. لكنهم لأسباب مالية ضيّقوا أرض الكعبة، وتركوا جزءًا منها خارجها، وأقاموا حوله جدارًا للدلالة على أنه من الكعبة.(17) وهذا الجدار، الذي تُرك في كل من طرفيه مدخل، يقع قبالة الجدار الشمالي الغربي للكعبة تمامًا. وهذا الجزء الذي يسمى «الحِجر، حِجر إسماعيل» هو الموضع المعروف الآن بـ«الحطيم» . «ولأنه يُعَدّ من الكعبة فلا يُوطأ أثناء الطواف، بل يُطاف من خارجه. والسيدة هاجر وسيدنا إسماعيل مدفونان فيه.(18) والحِجر معروف بأنه على شكل نصف دائرة.(19) وها نحن نرى في محفل المؤذنين الواقع في وسط فضاء السليمية تمامًا تطبيقًا يطابق هذا الوصف حرفيًا. بل إن هذا البروز النصف دائري الملاصق لمحفل المؤذنين يقع في الاتجاه الشمالي الغربي، مثل «الحطيم» الملاصق لجدار الكعبة.
والكعبة ليست مربعة تمامًا، بل إن أضلاعها كلها مختلفة.(20) ومن الأمور الأخرى التي لفتت انتباهنا أن سنان استخدم في محفل المؤذنين نصف أبعاد مخطط الكعبة تمامًا. فالطول البالغ 12 م في الكعبة يظهر في محفل المؤذنين 6 م. كما أن محفل المؤذنين أيضًا، مثل الكعبة، ليس مربعًا تمامًا، إذ يبلغ طول ضلعه الآخر 5.81 م، أي نصف الضلع الآخر للكعبة. أما قواعد الأعمدة الصغيرة المكوّنة لهذا المخطط غير المربع تمامًا فقد وُضعت مائلة نحو الداخل، وكأنها تعبّر عن عدم تجاوز الحدّ إلى الخارج . والأعمدة الصغيرة في الزوايا تقابل كلا الاتجاهين، وهي كذلك متجهة إلى الداخل (انظر الصورة 9).
وفي كتاب آخر كتبه ساعي چلبي على لسان سنان، هو تذكرة الأبنية، جاء:
«الشكر للمولى الذي أظهر لطفه،
فأوجد الكائنات وقد كانت عدمًا.
وأقام بنيان الأرض على الماء،
وجعل الأفلاك السبعة طباقًا»
وفي فصوص الحكم(21) يقال: «أصل كل شيء الماء، ألا ترى العرش كيف هو قائم على الماء؟ لأن الكون نشأ من الماء وارتفع فوق الماء. وعلى هذا فالماء يحفظ العرش من تحته» . والمقصود بالعرش هنا، كما سيأتي بيانه، هو الوجود الذي هو مجموع العالم المادي. والآن لننتبه إلى ما يلي: إن الجزء السفلي من الكعبة الذي يبلغ ارتفاعه 25 سم ويبرز إلى الخارج نحو 30 سم يسمى «الشاذروان» .(22) والمقصود بالشاذروان هو «الماء». وفي السليمية أيضًا يوجد في مسقط القبة، تحت محفل المؤذنين تمامًا، وفي نقطة تركيز القبة، شاذروانٌ (نافورة).
ونرى أن معمار سنان لا بد أنه قد درس الكعبة دراسة دقيقة حين ذهب إلى مكة لترميم قباب الحرم الشريف ولأداء الحج.(23)
وكذلك جاء في كلٍّ من تذكرة الأبنية، و تذكرة البنيان:
«أقام هذه القباب التسع بلا أعمدة،
وعلّق كرة الشمس معلّقةً،
«وعجن الطين بيد القدرة،
وأقام البناء على وجود آدم»(24)
«فصار النظر منظرةً لقصر الوجود،
وصارت تلك الحواجب كتابةً له،
ولما عُمِّر بيتُ جسم آدم،
أقام خليلُ الله بنيانَ الكعبة»
أما في كتاب عبد الكريم الجيلي المسمى «الإنسان الكامل» فيقال: «البيت المعمور بمعنى البيت الذي عُمِّر. وهو محلٌّ اختصه الله لذاته. ولهذا:
رفعه من الأرض إلى السماء. ونظيره قلب الإنسان، لأن قلب الإنسان محلّ الحق. وهذا الجسم في القالب الإنساني جامعٌ لكل ما في وجود الإنسان: الروح والعقل والقلب وغيرها. وهذا العالم أيضًا نظيرٌ لجسم العرش في الإنسان. أما العرش المطلق، بوصفه جامعًا لجميع أجزائه، فهو هيكل العالم وجسده. والعرش هو الجسم الكلي» .(25) وإذا درسنا، انطلاقًا من هذه المعلومات، النسب في جامعي السليمانية والسليمية، ظهرت لنا المقاييس التالية: في السليمية، قطر الدائرة المارة بمراكز الدعائم الثماني الحاملة للقبة 45 ذراعًا. وارتفاع حافة القبة عن الأرض 45 ذراعًا، وارتفاع هلال المئذنة ابتداءً من هناك 66 ذراعًا(26). وفي السليمانية، يبلغ ارتفاع مستوى منبت القبة عن الأرض 45 ذراعًا، وارتفاع هلال القبة 66 ذراعًا. وبحساب الجُمَّل (الأبجد) يقابل العدد 45 كلمة «آدم»، ويقابل العدد 66 كلمة «الله» . وهكذا عبّر معمار سنان في عمارته عن الفكرة التي جاءت في سطور عبد الكريم الجيلي، والتي عبّر عنها الشيخ غالب في بيته:
«انظر إلى ذاتك نظرةً حسنة، فإنك زبدة العالم،
أنت الإنسان الذي هو إنسانُ عين الأكوان»(27)
تلك الفكرة عبّر عنها في عمارته. ثم إن كتابة سورة الإخلاص في قبة السليمية ، وهي السورة التي تلخّص عقيدة التوحيد في كلمات قليلة تلخيصًا شاملًا فائقًا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (أي كل شيء محتاج إليه في وجوده وبقائه، وهو لا يحتاج إلى شيء، وهو الوحيد الذي يُقصد ويُستعان به) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (112/1، 2، 3، 4)، وإضافة عبارة «وبلّغ رسوله الكريم، ونحن على ذلك من الشاهدين» بعدها، وكتابة الآية 41 من سورة فاطر (35/41) في قبة جامع السليمانية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ۚ وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾، أمرٌ ذو دلالة.
وفي تذكرة البنيان يقال عن السليمانية:
«صار هذا الجامع المتناسق كعبةً،
وصارت أعمدته الأربعة فيه كالچاريار (الخلفاء الأربعة)،
بيت الإسلام قائمٌ على أركان أربعة،
وبالچاريار نال الثبات والإحكام،
وأرجو أن يكون لهذا العبد المتضرّع
ببركة ماء وجوههم نجاةٌ وخلاص
...وقباب ذلك الجامع الشريف تزيّنت كأنها حَبَبُ بحر اللطافة، وقبته العالية بهلالها المذهّب تحت السماء الدوّارة مشرقةٌ ظاهرة كالشمس المليئة بالأنوار، وصارت المآذن مع القبة، مع الحبيب المختار الذي هو قبة الإسلام، مثالًا للچهاريار (الخلفاء الأربعة) »(28) . وإذا درسنا مقاييس القبة والمآذن وفق المعلومات الواردة هنا، فإننا إذا أضفنا عمق القبة مع هلالها إلى مجموع مقاييس المآذن الأربع مع قواعدها، ظهر لنا الرقم «420 ذراعًا» الذي يقابل بحساب الجُمَّل كلمة «چهاريار»(29). والرقم المقابل بحساب الجُمَّل لكلمة «حبيب»(30) هو «22». وكلمة «هو» قيمتها بحساب الجُمَّل «11»، أما المثنّى من «هو» فيقابل «22»، وهي تعبّر عن ذات الله، الوجود الحق، وعن «حبيبه» الذي هو تجلّيه. ومحيط القبة البالغ 131 ذراعًا هو القيمة الأبجدية لكلمة «إسلام». ومجموع القيم الأبجدية لأسماء أبي بكر (231) وعمر (310) وعثمان (661) وعلي (110) هو (1312)، و1312÷4=328. والعدد «4» هنا مجازٌ عن «چار ركن = چاريار»، وعن «الأركان الأربعة» للإسلام، أي ما يُعرف بـ«چار ركن»، وهي «الشريعة والطريقة والمعرفة والحقيقة». وكما ورد في تذكرة البنيان، فإن نتيجة عبارة «صارت مثالًا للچهاريار مع الحبيب المختار» هي «328+92 (القيمة الأبجدية لكلمة محمد)= 420»، وبهذه العبارة أُجري تشبيهان.
في السليمية، لما كانت زوايا البناء الرئيس المستطيل الذي يحيط بالنظام الحامل من ثلاث جهات متشابكة مع قواعد المآذن وأحذيتها، فإن الصورة الظلية الظاهرة للمآذن يعطيها الجزء الممتد من فوق الحذاء إلى الهلال. وفي السليمانية، تمتد الصورة الظلية الظاهرة للمآذن من فوق القاعدة إلى الهلال. وأطوال هذه الصور الظلية الظاهرة في كلا الجامعين، وفي المآذن القريبة من القبة في السليمانية، تبلغ «92» ذراعًا، وهو ما يقابل اسم «محمد». أما هذا المقياس في المآذن الواقعة في زوايا الصحن في السليمانية فيبلغ «66» ذراعًا، وهو ما يقابل اسم «الله».(31)
ربما تُقابَل هذه التحديدات بشيء من التردد لعدم وجود رفوعات (رسوم مساحية) دقيقة. لكننا نرى أنه ليس من الخطأ الاعتقاد بأن فنانًا مثل سنان، بلغ سنّه وفنّه الكمال، قد يكون فضّل التعبير بالرموز في فنه، كما ورد في التذكرات، بوصفه فردًا من المجتمع العثماني الذي كان يؤرّخ حتى أبسط الأحداث في الشعر بحساب الجُمَّل، والذي كان، كما في المضامين الشعرية في شعر الديوان على وجه الخصوص، «مولعًا بتفسير المسألة وتأويلها بطرق شتى، يراعي علاقة الظرف بالمظروف، ويولي المجاز والمضمون والاستعارة أهمية كبرى ». والواقع أن جميع الحقائق الكائنة وراء العالم المادي قد عُبّر عنها في جميع الحضارات بلغة الرموز العميقة الغنية.(32) ومن هذه الناحية يمكننا القول منذ الآن إن الأبحاث التي ستُجرى على رفوعات دقيقة وصحيحة قد تفضي هي أيضًا إلى نتائج مثيرة للاهتمام.
لقد خصص السلطان سليمان القانوني للسليمانية، والسلطان سليم الثاني للسليمية، أموالًا بمقادير لم يُرَ مثلها حتى ذلك الحين. وبحسب ما سجّله أوليا چلبي في «سياحتنامه»، فقد قال سنان عن السليمية لدرويش محمد ظلّي، رئيس صاغة القصر ووالد أوليا چلبي، ما يلي:
«— لن يجرؤ أي سلطان على إنفاق مثل هذا المال الوفير.»
ولم يقصّر معمار سنان عن ذلك، فأبدع في هذه الآثار المادية التي اكتسبت هوية معنوية روائعَ بمادتها ومعناها.
ورغم أن المعمار الكبير كان رجلًا ذائع الصيت على رأس قدرة إعمار هائلة، في أعظم عصور الدولة العثمانية فتوحًا وسلطانًا وعلمًا وفنًا، فقد عرّف نفسه في النسخ المخطوطة بـ«مُور ناتوان» (النملة الضعيفة)؛ وفي توقيعه بـ«الفقير سنان سر معماران خاصه»؛ وفي توقيعه وسط ختمه البيضوي بـ«الفقير الحقير سنان»؛ وعلى حافته:
«سر معماران خاصه مستمند (رئيس معماريي الخاصة المعدَم)
بندهٔ مسكين كمينه دردمند (العبد المسكين الحقير المهموم)»(33)
(رئيس معماريي الخاصة الفقير العاجز،
عبدهم المسكين الحقير المهموم)
وبذلك أظهر أنه لم يكن أستاذ العمارة فحسب، بل أستاذ «التواضع» أيضًا.
هل يمكن تجاوز سنان؟.. ولمَ لا؟.. إنه أيضًا ابن آدم؛
«المعرفة (البراعة) تابعةٌ للالتفات (التقدير)،
والمتاع بلا مشترٍ ضائع»
وبهذا الفكر، يكفي أن يكون هناك صاحب عمل مثل القانوني يرى خدمة الخلق خدمةً للحق، ومعمارٌ يحمل الذهنية نفسها، يمزج عشقه ووجده بجهده ويعجنه بالكدّ والاستغراق. نعم! يمكن تجاوز سنان، لكن أعماله لا يمكن تجاوزها. لأن المعمار الكبير، وعلى رأسه عمامة الخاصكي، ومن ورائه قوةٌ «تجرؤ على إنفاق ذلك المال الوفير» ، وعلى ظهره القفطان الذي كان «عطيّة» القانوني، كان يذهب إلى المعماريين والأسطوات، فيُريهم ما يفكر فيه ويشرحه بمشاريع لا تدخل في تفاصيل كثيرة، فيقول لبنّائه: «لتكن عقود هذا الموضع على الطرز المستوي» ، ولحجّاره: «لتكن هذه الأعمدة والتيجان على الطرز المجوهر» ، ويقول لأسطى الحجّارين الذي يصنع المحراب أو البوابة إنه يريد «مقرنصًا» ، فإذا قال: «ليكن في الصف الفلاني شُرّابة، وفي الصف الفلاني لوزة، وبينها رِجل الغراب، وفي نهايتها ورقة» ، فهم أولئك الأسطوات المطلوب ونفّذوه. لم يكن آنذاك قلم رابيدو، ولا مسطرة T، ولا طاولات قابلة للتعديل، ولا مصابيح تعطي ضوء النهار، ولا حواسيب.. كان العصر عصر القناديل... فهل الأمر كذلك اليوم؟! إن كان المعمار يعرف.. وجلس وفكّر.. ورسم المشروع بمقياس 1/50 رسمًا صحيحًا سليمًا.. فلا يكفي ذلك أيضًا.. بل يلزم تفصيلٌ بمقياس 1/1. لكن «الأسطى(!)» لا يفهم ذلك أيضًا، فيلزم أن يُصنع قالب بمقياس 1/1 ويوضع أمامه.. ولأن مهارة اليد التي كانت في ذلك العصر لم تعد موجودة، يخرج «عملٌ(!)» بنصف المهارة التي كان يعمل بها الأسطوات القدامى فقط. في ذلك العصر «كانت اليد تعمل، والأداة تعمل». و«كانت اليد تفخر، والمهارة تلقى التقدير». أما اليوم فـ«الأداة تعمل، واليد تتباهى..»
ومن المؤسف أن القبة والعقد يُنظر إليهما اليوم بوصفهما رمزًا خاصًا بالإسلام. لكن الذي يجعل القبة رمزًا هو براعة «معمارها»، لا القبة والعقد في ذاتهما... فالجوامع الجديدة تُبنى، كأنها «على الطراز الكلاسيكي» ، نماذجَ نمطية لانحطاط الثقافة والذوق ولفقر الإدراك والذوق، ولعل ذلك ردُّ فعلٍ على الغزو الثقافي والأخلاقي للعالم المتغير. وتُبنى قباب هذه الجوامع الكاريكاتيرية وعقودها ومآذنها بنسب لا تستقيم. والحال أن القباب والعقود إنما بُنيت اقتضاءً لتقنية البناء الحجري في ذلك الزمان. تُرى كيف كان قوجه سنان سيبني المباني بالإمكانات التقنية وأنواع المواد المتوفرة اليوم؟ بالتأكيد ليس كما يُبنى في أيامنا. ويشهد على أن سنان لم يكن أسيرًا لمثل هذا التقليد والتعصب والقولبة، إلى جانب جميع أعماله ، مئذنةُ مسجد معمار سنان في يني بهچه بإسطنبول، الذي بناه باسمه (انظر الصورة 10). ألا يمكن، ضمن هذا المصدر الثري الممتد منذ السلاجقة، أن يُبلَغ بالمفهوم المعماري الكلاسيكي الناضج للفضاء، مع المواد والإمكانات التقنية الحالية، إلى تركيبٍ جديد؟ إن إدراك قيمة التراث الثقافي الذي نملكه والبحث عن تراكيب جديدة لاستمراره أمرٌ لا بد منه. العمارة مرآةُ المجتمع ولغتُه الشكلية. فمتى بدأ في مجتمعٍ ما الاضطراب وغياب تعريف القيم، ظهر أثر ذلك في العمارة على الفور. والثقافة التي تكرر نفسها ولا تتجدد محكومٌ عليها بالانحطاط ثم بالزوال. وهذا ما حدث بالفعل في الحضارة العثمانية؛ إذ بدلًا من تراكيب جديدة مع الثقافة الأصيلة ، وبالتعرض للغزو الثقافي والأخلاقي، أُحلّت محلها ثقافةٌ مستجلبة مستوردة .(34) ومنذ سنوات تُطرح، انطلاقًا من كون سنان من «الدوشيرمه»، ادعاءات شتى حول ما إذا كان مسيحيًا من أصل تركي، أم روميًا أم أرمنيًا أم ألبانيًا، أم من أصل نمساوي.
لكن المسألة الحقيقية ليست قومية سنان وكونه من الدوشيرمه، بل ما الذي صنعه المعمار الكبير، وكيف يمكن أن «تُجمَع» إلى سنان العمارةُ التركية الغائبة اليوم ! وإن إنسان عصرنا، الذي يعيش أزمة هوية ويجب عليه أن يحاسب نفسه: «من كنا، وماذا صرنا الآن؟»، وهو يبحث عن سبل الخلاص من حصار «انعدام الثقافة» الذي نغرق فيه، سيجد في الفنانين العمالقة من أمثال سنان ، الذين هم خلاصة معجزة حضارية فريدة في الماضي، وفي الروائع من أمثال السليمانية والسليمية ، مصدرَ الحماسة والقوة لنهضتنا هذه.
الهوامش:
- عين أعيان المهندسين (قرّة عين المهندسين)، زين أركان المؤسسين (زينة كبار المؤسسات)، معمار سلطاني (معمار السلطان)، معلّم خاقاني (معلّم الخاقان)، أستاذ أساتذة الزمان (أستاذ أساتذة العصر)، رئيس جهابذة الدوران (رئيس جميع فناني العصر)، إقليدس العصر والأوان (إقليدس العصر والزمان)، مهندس الدوران (مهندس الدهر)، پسنديدهٔ جهان (الذي يرضاه العالم)، معمار بي أقران (المعمار الذي لا أقران له)، سر معماران (رئيس المعماريين). ويرد معمار سنان في التذكرات والمصادر القديمة في الغالب باسم «سنان آغا» و«قوجه معمار». ويُذكر سنان في وقفيته أيضًا باسم «المحفوف بصنوف عواطف الملك المنّان» (المحاط بهدايا الملوك كثيري الإحسان) و«سنان آغا بن عبد الرحمن» .
- متين سوزن وآخرون، «Türk Mîmârisi'nin Gelişimi ve Mimar Sinan» (تطور العمارة التركية ومعمار سنان)، إسطنبول، 1975، ص 159.
- إحسان بينگولر، Mimar Sinan ve Süleymâniye (معمار سنان والسليمانية).
- م. حلمي شن ألب، Mîmar Sinan Kaynak Eserleri ve Çalışma Ortamı (المصادر الأساسية عن معمار سنان وبيئة عمله)، «رسالة ماجستير غير منشورة»، إسطنبول، 1984.
- على قول أصحاب التواريخ = بحسب ما يراه المؤرخون.
- بيستون: اسم الجبل الذي يُروى أن فرهاد قد شقّه.
- العدد (1.618) اللازم لتقسيم خط مستقيم إلى قسمين بأجمل نسبة يسمى «النسبة الذهبية» . ولأن هذه النسبة توجد في جميع الأشكال الجميلة في الطبيعة، وفي مقدمتها جسم الإنسان والنباتات، فقد سميت «الرقم الإلهي» . وتُعرف أيضًا بـالقسم الذهبي والمقطع الذهبي .
- Usûl-i Mîmârî-i Osmânî (أصول المعماري العثماني)، 1873، ص 11. طريقة تطبيق الوحدة المعمارية. وقد عُبّر عنها بالرسوم في هذا الكتاب الذي أُعدّ في عهد السلطان عبد العزيز لمعرض فيينا الدولي. وكان الكتاب مصدرًا للمرحلة التي تُعدّ «الحركة المعمارية الوطنية الأولى». وهو، رغم بعض العبارات الخاطئة فيه، أول عمل جادّ كُتب عن الفن التركي.
- «مدح النقش مدحٌ للنقّاش، وذمّ النقش ذمٌّ للنقّاش.»
- الزاوية التي تشكّلها حبات الرمل المتساقطة من ساعة رملية مع المستوى الأفقي.
- سليمان آتش، Kur'ân-ı Kerîm Meâli (ترجمة معاني القرآن الكريم)، 1974، إسطنبول.
- إبراهيم حقي الأرضرومي، معرفت نامه، ترجمة ف. مَيان، 1981، إسطنبول، ص 29.
- كلمة «إنسان» من الجذر نفسه الذي جاءت منه كلمة «الأُنس» بمعنى «الصداقة والإلفة والمحبة».
- إ. حقي الأرضرومي، المصدر السابق، ص 37.
- محمد حميد الله، İslâm Müesseselerine Giriş (مدخل إلى المؤسسات الإسلامية)، ترجمة ثريا صرمه، 1980، إسطنبول، ص 32.
- تسمى كسوة الكعبة «الستارة الشريفة» . والستارة من جذر «ستر» أي الغطاء، وكلمة Star (نجم) أصلها أيضًا كلمة «ستر».
- «ضُيّقت مساحة أرض البيت الشريف وتُرك مقدار ستة أذرع منها خارجه. والحِجر في موضعه 39 ذراعًا، ستة منها معدودة من الكعبة بلا خلاف». البخاري، Sahih-i Buhârî Muhtasarı Tecrîd-i Sarîh Tercemesi (ترجمة التجريد الصريح لمختصر صحيح البخاري)، ترجمة كامل ميراس، 1969، أنقرة، ج 6، ص 32، 40. وقد وقعت حادثة تحكيم النبي صلى الله عليه وسلم بين قريش ووضع الحجر الأسود في مكانه في الجاهلية بعد هذا البناء.
- البخاري، المصدر السابق، ص 32، 17، 18.
- البخاري، المصدر السابق، ص 40.
- البخاري، المصدر السابق، ص 19.
- محيي الدين ابن عربي، فصوص الحكم، ترجمة م. نوري گنج عثمان، 1971، إسطنبول، ص 181.
- İslâm Ansiklopedisi (الموسوعة الإسلامية)، مادة الكعبة، ج 6، ص 5، 6.
- أعدّ في رحلته في عهد السلطان مراد الثالث مشاريع لترميم الكعبة، لكن تنفيذها كان من نصيب تلميذه صدفكار محمد آغا، معمار جامع السلطان أحمد. Uzunçarşılı'ya Armağan (إهداء إلى أوزون چارشيلي)، «رسالهٔ معماريه»، ترجمة أ. ش. گوكياي، ص 148.
- رفقي ملول مريچ، Mîmar Sinan Hayatı, Eseri (معمار سنان: حياته وأعماله)، 1965، أنقرة، ص 55.
- عبد الكريم الجيلي، الإنسان الكامل، ترجمة أ. آقچيچك، إسطنبول، 1974، ص 416، 438. كما ورد القسم في سورة الطور (52/4، 5) بـ«البيت المعمور» و«السقف المرفوع» . ويقدّم عبد الكريم الجيلي لهاتين الآيتين التفسير الصوفي التالي: «أما عبارة السقف المرفوع... فهي المكانة العلية الحاملة للوصف الإلهي. وتلك المكانة في هذا القلب. ولما شبّه الله تعالى القلب بالبيت المعمور، وجب أن تكون الحقيقة الإلهية له هي السقف المرفوع... والسقف من البيت. فسقف البيت المعمور هو الألوهية، والبيت هو القلب.» ، ص 417.
- الذراع = ذراع المعماري = الذراع = 75.7738 سم. 1 ذراع = 24 بوغون (برجومه) = 60 إصبعًا، 1 بوغون = 2.5 إصبع، 1 إصبع = 10 خيوط، 1 خيط = 100 خيط عنكبوت (تار عنكبوت)، وفي اعتبار آخر: 12 نقطة = 1 خط، 12 خطًا = 1 إصبع، 12 إصبعًا = 1 قدم، 2 قدم = 1 ذراع، 2.5 ذراع = 1 قُلاج (باع). وبعد عام 1587 اعتُمد أن 1 ذراع = 24 إصبعًا.
- «انظر إلى ذاتك نظرةً حسنة، فأنت جوهر العالم. أنت الإنسان الذي هو إنسانُ عين الكون.»
- م. حلمي شن ألب، المصدر السابق.
- چهاريار = الخلفاء الأربعة.
- حبيب = المحبوب، الحبيب.
- كلمة «لاله» (الخزامى) تُكتب في الخط القديم بالحروف نفسها التي يُكتب بها اسم «الله» ، ولذلك فقيمتها بحساب الجُمَّل 66 أيضًا. ولهذا السبب صارت أكثر الأزهار استخدامًا ومحبةً في الزخرفة العثمانية. وقراءتها معكوسةً «هلال»، وقيمة «هلال» بحساب الجُمَّل 66 كذلك.
- إن الصليب، رمز المسيحية، ورسم إشارة الصليب يعبّران عن سيدنا عيسى وعقيدة التثليث، كما استُخدم الصليب في عمارة الكنائس نمطًا مستقلًا للمخطط. وهذه النتائج التي توصلنا إليها انطلاقًا من عبارات التذكرات حُسبت مع مراعاة الرفوعات الموجودة. ونرى أن في دراسات أتيلّا أرپات حول الأبعاد والنظام الوحدوي (المودولي)، التي تعتمد «البوغون» وحدةً، والمنشورة في مواضع مختلفة وفي مقدمتها عدد فبراير 1984 من مجلة «Türk Dünyası Araştırmaları» (أبحاث العالم التركي)، أخطاءً. فإجراء حسابات متكلّفة على أساس طول قدره 3.15 سم، وهو 1/24 من الذراع، والسعي إلى العثور في جميع الجوامع الكلاسيكية، وصولًا إلى الكعبة، على الرقم 318 الذي يقابل «سيدنا عيسى» بحساب الجُمَّل اللاتيني، ليس موقفًا مفهومًا.
- قُرئ هذا الختم بأشكال مختلفة. ويذكر إبراهيم حقي قونيالي في كتابه «Mimar Koca Sinan» (المعمار قوجه سنان) أن الكتاب الذي أعدّه فؤاد كوبريلي وألبير غابرييل وزملاؤهما بعنوان «Sinan-Hayatı-Eserleri» (سنان: حياته وأعماله) قرأ كلمة «سر» «مهر»، وكلمة «خاصه» «هميشه»، وأن زريف أورغون، ضمن منشورات «Arkitekt» ، في كتابه «Hâssa Mîmârları» (معماريو الخاصة) قرأ كلمة «مستمند» «مستثنا»، ثم يكتب أن القراءة الصحيحة هي: «بندهٔ مسكين كمينه دردمند، سر معماران خاصه مستمند» . وهذه القراءة صحيحة من حيث الوزن أيضًا، غير أن المصراع الأسفل ينبغي أن يكون في الأعلى.
- م. حلمي شن ألب، «Kula» (قولا)، مجلة لاله، العدد: 2، ص 35.